تخطي للذهاب إلى المحتوى

من صدع رفح يمر الكود غير المكتوب للمنفى

فلسطين هي صمام أمان مصمم لطرد الناس، وليس لتدويرهم. أولئك الذين يمرون من خلال تلك البوابة، الذين يتجاوزون الفحوصات البيومترية ويتركون وراءهم رائحة الموت في خان يونس، يعرفون تمامًا ما الذي يوقعون عليه. ليس مكتوبًا على التصاريح، ولكنها محفورة في اللحم وفي الذاكرة الجماعية لكل فلسطيني منذ عام 1948 حتى اليوم: المغادرة تعني عدم العودة أبدًا. لا عودة مرة أخرى.
12 مايو 2026 بواسطة
من صدع رفح يمر الكود غير المكتوب للمنفى
Widad Tamimi

الشق الذي انفتح أمس في رفح، بعد ما يقرب من عامين من الأختام المحكمة والصمت القبر-like، ليس بابًا إلى الحرية. إنه شق ضيق ومحروس يطل على هاوية. في ما تبقى من الحدود الجنوبية، يتصدر المشهد الفصل الأخير من مأساة بدأت قبل فترة طويلة من القنابل: الخيار المستحيل. لأنه الآن بعد أن استقر الغبار، تظهر الحقيقة عارية وقاسية.

غزة لم تعد موجودة. لم تُدمر فقط؛ بل تم محوها. لا يوجد ماء، لا صرف صحي، لا سقف سليم. تقارير الأمم المتحدة، التي أصبحت الآن ورقاً بلا قيمة للحكومات الغربية، واضحة: سيستغرق الأمر عقوداً لإزالة جبال الحطام وتطهير الأرض من بقايا الحرب. نصف قرن، كما يقول أكثر المهندسين واقعية، لجعل هذه الشريط من الأرض قابلاً للسكن مرة أخرى. خمسون عاماً. جيلان محكومان بالعدم.

إنه في هذا السيناريو الذي يشبه نهاية العالم، حيث الحياة مستحيلة بيولوجيًا ليس فقط اليوم ولكن كاحتمال مستقبلي، تفتح الفجوة. وهنا يتم نصب الفخ المثالي. "الصدع" في رفح يعمل في اتجاه واحد. إنه صمام أمان مصمم لطرد، وليس لتدوير. أولئك الذين يمرون من خلال تلك البوابة، الذين يتجاوزون الفحوصات البيومترية ويتركون وراءهم رائحة الموت من خان يونس، يعرفون تمامًا ما الذي يوقعون عليه. ليس مكتوبًا على التصاريح، ولكن محفور في اللحم وفي الذاكرة الجماعية لكل فلسطيني منذ عام 1948 حتى اليوم: المغادرة تعني عدم العودة أبدًا. أبدًا.

المأزق الذي يمزق العائلات في هذه الساعات مروع، وهو حساب لا ينبغي لأحد أن يُجبر على القيام به. من جهة، إمكانية شرب الماء النظيف، وعلاج جرح، وعدم الارتعاش عند كل طنين طائرة مسيرة. ومن جهة أخرى، الأرض. اختيار الحياة يعني التخلي عن الماضي. يعني التخلي عن الأموات، الذين يرقدون تحت الأنقاض دون حتى شاهد قبر. يعني ترك المسنين الذين لا يستطيعون الحركة، والإخوة الذين لم يحصلوا على التصريح، وأصدقاء الطفولة الذين ضاعوا.

ليس فقط الأنقاض هي التي تؤكد ذلك، بل القانون. لدى إسرائيل ذاكرة فولاذية عندما يتعلق الأمر بالتركيبة السكانية: قانون الممتلكات الغائبة، وهو ركيزة قانونية للمصادرة منذ عام 1950، جاهز لابتلاع منازل وأراضي أي شخص "يتركها". لا يهم إذا كان ذلك بسبب الجوع أو القنابل: بالنسبة لتل أبيب، كل فلسطيني يغادر يفقد حقه في العودة. مغادرة رفح اليوم تعني تلقائيًا الدخول في فئة "الغائبين"، محوهم من سجل أرضهم الخاصة، مما يحول التطهير العرقي إلى عمل بيروقراطي لا يمكن الطعن فيه.

لكن الأمر لا ينتهي هنا؛ فهناك جحيم ثانٍ ينتظر أولئك الذين يعبرون ذلك الحدود. وفقًا للقانون الدولي، فإن الفلسطينيين الذين يغادرون غزة ليسوا لاجئين مثل الآخرين. إنهم لا يندرجون تحت اتفاقية جنيف لعام 1951، التي تضمن لجميع اللاجئين في العالم الحماية وسبل الاندماج أو إعادة التوطين في دول ثالثة.

اللاجئون الفلسطينيون هم الوحيدون الذين يتمتعون بولاية خاصة، وهي ولاية الأونروا. إنه تناقض قاسي: الوكالة التي أُنشئت لحماية وضعهم وحقوقهم السياسية انتهت إلى التحول إلى قفص. وباستبعادهم من ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تجد تحتها جميع اللاجئين الآخرين في العالم الحماية، يُحرم الفلسطينيون من "الحل الدائم" الكلاسيكي: الاندماج والمواطنة في بلد جديد أو الحق المقدس في العودة إلى أرضهم.

كل فلسطيني يعرف الشيفرة غير المكتوبة للمنفى: ما تتركه اليوم، تفقده إلى الأبد. مفتاح المنزل الذي تحتفظ به كل عائلة فلسطينية كأثر قد تحول إلى الوعي المرير للأحفاد. مغادرة رفح تعني قبول التطهير العرقي، لم يعد مفروضًا بأسلحة موجهة إلى ظهرك كما في قرى عام 48، بل يتم تحفيزه من خلال عدم القابلية التامة للعيش التي تخلقها القنابل وتؤكدها البيروقراطية. إنه خروج صامت، قطرة بقطرة.

في الوقت الحالي، يمكن لخمسين شخصًا فقط مغادرة كل يوم: مريض واحد يعاني من مرض خطير يرافقه شخصان. تتجاوز قائمة المرضى في حالة خطيرة عشرين ألفًا. هؤلاء الخمسون شخصًا في اليوم الذين ينجون بأنفسهم جسديًا يفعلون ذلك من خلال قبول الموت سياسيًا، وقطع جذورهم مع أصلهم. تلك الفتحة التي انفتحت في الجدار ليست ممرًا إنسانيًا. إنها قمع التاريخ الذي يبتلع شعبًا.

الذين يغادرون ينظرون إلى الوراء ويرون فقط الغبار، عالمين أن هذه النظرة قد تكون الأخيرة. لقد جعلوا غزة جحيماً غير قابل للعيش بالضبط من أجل هذا: لفرض الضحايا ليس فقط على المغادرة بل حتى على شكر أولئك الذين يفتحون باب الخدمة لطردهم إلى الأبد.

من صدع رفح يمر الكود غير المكتوب للمنفى
Widad Tamimi 12 مايو 2026
شارك هذا المنشور
علامات التصنيف
مدوناتنا
الأرشيف
من غزة إلى كارلوفورتي، بشارة "مجتمع" جديد داعم
فلسطين-إيطاليا رحلة آمنة بفضل مشروع إيوبالز. قصة لإنهاء عام صعب. وللاستمرار في الأمل في أعوام أفضل قادمة. ليس بالسحر. بل بالالتزام. لأن هذه قصة من التفاني النشط.